الشيخ محمد رضا المظفر
109
أصول الفقه
والحق عندنا أنه دال على الوجوب وظاهر فيه فيما إذا كان مجردا وعاريا عن قرينة على الاستحباب . وإحراز هذا الظهور بهذا المقدار كاف في صحة استنباط الوجوب من الدليل الذي يتضمن كلمة " الأمر " ولا يحتاج إلى إثبات منشأ هذا الظهور هل هو الوضع أو شئ آخر . ولكن من ناحية علمية صرفة يحسن أن نفهم منشأ هذا الظهور ، فقد قيل : إن معنى الوجوب مأخوذ قيدا في الموضوع له لفظ الأمر ( 1 ) . وقيل : مأخوذ قيدا في المستعمل فيه إن لم يكن مأخوذا في الموضوع له ( 2 ) . والحق أنه ليس قيدا في الموضوع له ولا في المستعمل فيه ، بل منشأ هذا الظهور من جهة حكم العقل بوجوب طاعة الآمر ، فإن العقل يستقل بلزوم الانبعاث عن بعث المولى والانزجار عن زجره ، قضاء لحق المولوية والعبودية ، فبمجرد بعث المولى يجد العقل أنه لابد للعبد من الطاعة والانبعاث مالم يرخص في تركه ويأذن في مخالفته . فليس المدلول للفظ الأمر إلا الطلب من العالي ، ولكن العقل هو الذي يلزم العبد بالانبعاث ويوجب عليه الطاعة لأمر المولى مالم يصرح المولى بالترخيص ويأذن بالترك . وعليه ، فلا يكون استعماله في موارد الندب مغايرا لاستعماله في موارد الوجوب من جهة المعنى المستعمل فيه اللفظ . فليس هو موضوعا للوجوب ، بل ولا موضوعا للأعم من الوجوب والندب ، لأن الوجوب والندب ليسا من التقسيمات اللاحقة للمعنى المستعمل فيه اللفظ ، بل من التقسيمات اللاحقة للأمر بعد استعماله في معناه الموضوع له .
--> ( 1 ) لم نقف على موضوع البحث عنه حتى في الكتب المفصلة ، نعم صرح به المحقق الرشتي في صيغة الأمر ، راجع بدائع الأفكار : ص 220 . ( 2 ) لم نجد من صرح بأنه مأخوذ قيدا في المستعمل فيه ، نقل المحقق الرشتي عن بعض المحققين أن تبادر الوجوب من لفظ " الأمر " عند الإطلاق ليس لأ أنه موضوع له ، بل هو من باب انصراف المطلق إلى أكمل الأفراد ، راجع بدائع الأفكار : ص 205 .